عماد الدين خليل
124
دراسة في السيرة
محاربين . . لليهود دينهم وللمسلمين دينهم - مواليهم وأنفسهم - إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ « 1 » إلا نفسه وأهل بيته . . وأنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد ، وإنه لا ينحجز على ثأر جرح . . وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم ، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة ، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم ، وأنه لم يأثم امرؤ بحليفه وأن النصر للمظلوم . . وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة . . وأنه ما كان من أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى اللّه عز وجل وإلى محمد رسول اللّه . . . وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها ، وأن بينهم النصر على من دهم يثرب ، وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه ، إلا من حارب في الدين . . وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم ، وأنه من خرج أمن ومن قعد أمن بالمدينة إلا من ظلم وأثم ) « 2 » . إن نصوص الصحيفة توافق القرآن الكريم في المبادئ العامة من حيث اعتبار المسلمين أمة واحدة من دون الناس ، ومن حيث التراحم والتعاون بينهم ، ومن حيث الاحتفاظ برابطة الولاء وما يترتب عليها من حقوق الموالاة ، ثم من حيث مراعاة حقوق القرابة والصحبة والجوار ، كذلك تحديد المسؤولية الشخصية والبعد عن ثارات الجاهلية وحميتها وفي وجوب الخضوع للقانون ورد الأمر إلى الدولة بأجهزتها للتصرف بالأمور ، وفي شؤون الحرب والسلم ، وأن حرب الأفراد وسلمهم إنما تدخل في الاختصاص العام فلا تحدث فرديا ، كذلك معاونة الدولة في إقرار النظام والأخذ على يد الظالم وعدم نصر المحدث أو إيوائه « 3 » . إن الصحيفة أعطت صفة للجماعة الإسلامية فقررت أنهم أمة واحدة من دون الناس . . وبهذا التقرير ألغى النبي الحدود القبلية أو على الأقل لم يجعل لها وجودا رسميا بالنسبة للدولة ، أو بلفظ آخر ارتفع هو عن المستوى القبلي المحدد وبهذا أصبح الإسلام ملكا لمن دخل فيه ، فدخل بناء على هذه القاعدة شعوب كثيرة في الإسلام دون أن يضع الرسول أمامها عقبات تحول بينها وبين الاشتراك
--> ( 1 ) يوتغ : يهلك . ( 2 ) ابن هشام ص 134 - 138 ابن كثير 3 / 224 - 226 المقدسي : البدء والتاريخ 4 / 153 - 154 محمد حميد اللّه : مجموعة الوثائق ص 59 - 62 . ( 3 ) أحمد إبراهيم الشريف : مكة والمدينة في الجاهلية والإسلام ص 293 - 394 .